أكراد سورية .. عندما جلدوا أنفسهم بـ”غصن زيتون”

يسعى النظام الحاكم في تركيا منذ إطلاق الجيش العربي السوري معركته الواسعة و”المفاجئة” باتجاه مدينة إدلب لتحريرها من الميليشيات التي دزّها نظام أردوغان هناك بهدف ضمان موطئ قدم له في الشمال السوري بعد أن خسر جبهته في حلب عاام 2016، يسعى من خلال فتح معركة “غصن الزيتون” بحجة القضاء على “الفصائل الكردية” التي تهدد أمنه في أنقرة، إلى ضمان حصّته من “الكعكة السورية”، وهو هدف لم يعد خافياً على أحد والحديث فيه لم يعد أيضاً ضرباً من الجنون كما يحاول البعض قوله.
عندما اقترب الجيش العربي السوري من حسم معركة ريف إدلب الجنوبي الشرقي قبل السيطرة على مطار أبو الظهور وتأمينه قبل أيام، قلنا أن أردوغان لن يقف مكتوف الأيدي، وهو بحاجة لنصر حتى لو كان “إعلامياً” بعد أن فقد السيطرة على ميليشياته في إدلب، على الأقل أمام “جمهوره” الموعود بـ”لقمة” كبيرة من الكعكة السورية، لكن يبدو أن حسابات حقل النظام الحاكم في تركيا لم تساوِ بيدر الميدان السوري، خاصة وأن دمشق ومنذ لعام 2015 أدارت ظهرها لكل التهديدات الدولية وبدأت بقضم المناطق التي تسيطر عليها فصائل متشددة مقسومة بين داعش وجبهة النصرة، ما دفع أردوغان ليتحسس رأسه في إدلب بعد فقدانه “الحلم” في حلب وقبلها ريف اللاذقية الشمالي، فما بالك لو خسر إدلب..؟
للأسف، وضع أكراد سورية كل أحلامهم في جيبة الإدارة الأمريكية من أيام باراك أوباما وحتى دونالد ترامب، لم يعلّمهم الانقلاب عليهم في العراق أي درس بأن السياسة الأمريكية هي سياسة مصالح لا يهمها التحالفات التي تنسج خيوطها لتحقيق أهدافها من خلالها، ومن ثم تتركها مُشربكة فيما بينها من مبدأ “فخار يكسّر بعضو”، وأصرت القيادات الكردية على رفض أي بادرة من دمشق لحماية مناطقهم، حتى أن مصادر كردية قالت لشبكة عاجل الإخبارية أن القيادة في دمشق اقترحت أن تبقى الفصائل الكردية في مناطقها والاكتفاء فقط بنشر عناصر أمنية سورية وإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية في مدنهم سواء بعفرين أو منبج …الخ، ما يقطع الطريق على النظام التركي لتنفيذ أي عدوان لن تكون نهايته كما يحلم الأكراد، لكنهم ومع ذلك، رفضوا بحجة أن مقترحات دمشق هي “لعبة” لإعادة سيطرتها الكاملة على مناطقهم، وهو ما يفسّر نوعاً ما “الموقف الحيادي” الذي اتخذته دمشق مع إعلان نظام أردوغان بدء عدوانه على عفرين ومن ثم منبج، حتى تعرف القيادات الكردية “المنقسمة” أن تخوّف دمشق كان في محلّه، وأن “التناحة” لا تنفع في عالم التحالفات والسياسة..
من جهة ثانية، لم تكتف القيادات الكردية برفض المقترحات السورية فقط، بل هاجمت “الحيادية الروسية” واتهمت موسكو بالاتفاق مع تركيا على “إسقاط عفرين”، لكن تلك القيادات تناست على مايبدو أنها أيضاً رفضت الضمانات الروسية التي قُدّمت لها للسماح للدولة السورية بدخول مناطقها، وأنها تكفّلت بتطبيق كل البنود المتفق عليها وأن تبقى تلك الفصائل “تحت الحماية” الروسية في حال الإخلال بأياً من بنود الاتفاق، كما أنها تجاهلت التحذيرات الروسية من أن نظام أردوغان مصر على دخول مناطقها عسكرياً، وأنه يحشد قواته جدياً وأن موافقتهم على مقترحات دمشق سيجنّب مناطقهم بحراً من الدماء، لكنهم ومع ذلك رفضوا الجنوح للسلم واختاروا “الحرب”..!!!.
ما سبق، ليس هدفه إلقاء اللوم على الأكراد وتبرير العدوان التركي على الأراضي السوري، لكن تفنيد بعض الإشكالات التي سبقت العدوان قد يكون مفيد اليوم، وعلى أكراد سورية أن يعرفوا أن قياداتهم هي من اختارت الحرب في الوقت الذي كان بالإمكان تجنبها بدون ولو طلقة واحدة.. وليتذكروا أن أمركيا قالتها أمس صراحةً، أنها لن تدعمكم بوجه أردوغان.. فهل وصلت الفكرة لكم..؟.
بالمقابل، ظنّ رجب طيب أردوغان أنه قادر ببعض آلاف من المرتزقة والعشرات من جنوده على دخول قرى وبلدات أكراد سورية، وأن المعركة ستكون “نزهة” لن تتجاوز الـ48 ساعة للـ72 ساعة، لكنهم اصطدم بالمقاومة الشرسة التي أبداها المقاتلون الكرد، والذين كبّدوا جيش أردوغان ومرتزقته خسائر فادحة قياساً بمساحة الاشتباك، ومنعته من تحقيق أي هدف استراتيجي، وحولت كل شبر تقدّم إليه الجيش التركي ومرتزقته إلى “مقتل”، كلّفه العشرات ليس في صفوف “جنوده”، بل بمرتزقته الذين يحملون الجنسية السورية للأسف، هؤلاء الذين اختاروا أن يرموا أنفسهم في محرقة سيكونوا حطبها ورمادها، وهو ما يظهره النظام التركي عندما يهتم بالإعلان عن قتلى جيشه فقط، بينما يتجاهل قتلاهم أو جرحاهم وكأنهم غير موجودين أصلاً، حيث يكتفي برميهم كطعوم في كمائن الفصائل الكردية ليقتل منهم من يقتل وترمى جثته في البرية طعاماً لحيواناتها، حتى أن أهل هؤلاء المقاتلين ومنذ يوم إعلان العدوان على عفرين  لا يعلمون عن أبنائهم شيئاً، إلا فيما ندر..
ستنتهي معركة عفرين قريباً “عسكرياً”.. ولن يحقق فيها النظام التركي أيّ مكتسب استراتيجي سوى مزيداً من القتلى وبطاقات انتخابية جديدة ستضاف إلى رصيده على حساب دماء مئات السوريين الذين جلدهم بـ”غصن الزيتون”، وسيخسر مدينة إدلب، وسيُستنزف جيشه كما استنزفه طيلت السنوات السابقة في قتاله أمام حزب العمال الكردستاني، وستصبح الجبهة “أوسع” بعد أن كانت محصورة في جغرافيا يمكن استيعابها والتعامل معها، لكن ومع ذلك، ستكون الخسارة الأكبر من نصيب السوريين الذي زجوا بأنفسهم في محرقته.. فخسروا الأرض .. وخسروا الوطن.

عن presslebanon1

شاهد أيضاً

“حماس” تنشر روايتها الثانية حول معركة “طوفان الأقصى”

لندن- “القدس العربي”: نشرت حركة “حماس”، اليوم الأربعاء، روايتها الثانية حول معركة “طوفان الأقصى”، باللغتين العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *