من بين الركام والخراب، والتعذيب والرعب، والغبار والحطام، يلوح في الشرق الأوسط ما يشبه حركة خافتة، روح تقول لا لدورات العنف اللامتناهية، وتضع مستقبل أطفال المنطقة فوق أحقاد الماضي.
هذه الروح هشة، متنازع عليها، ومعرّضة للانكسار. لكن مع مقتل أكثر من نصف مليون إنسان في الحرب الأهلية السورية الممتدة منذ 15 عامًا، ومقتل نحو 70 ألف فلسطيني في حرب غزة التي دخلت عامها الثالث، إلى جانب قرابة ألفي إسرائيلي، بات الإرهاق عامًا. “انبذوا الانتقام”، يهمس المنهكون من الحرب، “وأعيدوا التفكير”.
قال حسن الصمدي (48 عامًا) وهو عامل في مستشفى ببلدة بصرى الشام الجنوبية المدمّرة في سوريا: “لا يوجد حل آخر سوى إيجاد حل”. فقد حسن أخًا أصغر قُتل في القصف المتواصل الذي شنه بشار الأسد، الديكتاتور الذي أُطيح به العام الماضي، فيما فرت عائلته إلى الأردن. وأضاف: “نحن متعبون من الحرب ومللنا الحرب، ولا نريد سوى أن نعيش بسلام”.
قرب المكان الذي كان يقف فيه الصمدي، نُصبت حديثًا لافتة من قبل السلطات المحلية خارج مدرج روماني محفوظ على نحو لافت، كتب عليها: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وهي عبارة للشاعر الفلسطيني محمود درويش.
إذا كان ثمة لازمة تتردد في أرجاء سوريا الممزقة بالحرب، حيث تبدو حتى الأشجار الذابلة الرمادية- الخضراء وكأنها مصدومة، فهي: “نريد فقط أن نعيش”. وإذا كانت ثمة طموح في السعودية، فهو التحول إلى قوة كبرى تمثل إسلامًا حديثًا، منفتحًا ومتقدمًا تكنولوجيًا، وبعيدًا عن أي أيديولوجيا قومية عربية عدوانية. وإذا كان ثمة مصطلح يتردد في أوساط الملكيات الخليجية السنية، التي كانت يومًا ما ترتعد خوفًا وغضبًا من ملالي إيران الشيعة، فهو “البراغماتية”.
ومع ذلك، تبقى المنطقة قابلة للاشتعال. فقد ردّت الولايات المتحدة هذا الشهر على مقتل جنديين ومترجم أمريكيين بقصف مكثف استهدف تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا، في ضربات وصفها وزير الدفاع بيت هيغسيث بأنها “إعلان للانتقام”.
وجاءت هذه الضربات بعد وقت قصير من إعلان إدارة ترامب في استراتيجيتها للأمن القومي أن المنطقة “تخرج تدريجيًا لتصبح فضاءً للشراكة والصداقة والاستثمار”، مضيفة أن الأيام التي “كان الشرق الأوسط يهيمن فيها على السياسة الخارجية الأمريكية” أصبحت “ولحسن الحظ من الماضي”.
يبدو هذا التفاؤل، المبني إلى حد كبير على اتفاق السلام في غزة الذي وُقّع في شرم الشيخ بمصر في 13 أكتوبر، مبالغًا فيه، شأنه شأن ادعاء الرئيس ترامب في ذلك اليوم أن التوصل إلى اختراق من هذا النوع استغرق 3,000 عام.
فليس كل شيء يُحل بين عشية وضحاها بتوقيع رئاسي. في سوريا، تتنافس النزعات الطائفية مع الرغبة في الوحدة، وتشتعل أعمال العنف. وفي اليمن، تتعفن الحرب. وفي إيران، يبدو النظام ضعيفًا، لكن عزيمته على تدمير دولة إسرائيل لم تخفت. وفي الضفة الغربية، يواصل المستوطنون الإسرائيليون الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية بدعم من حكومة يمينية متطرفة.
وبالفعل، يبدو اتفاق غزة مهترئا. فإسرائيل وحماس تتنازعان تحقيق مكاسب. وكل ما يتعلق بالمرحلة التالية من خطة السلام -قوة الاستقرار الدولية المزمع نشرها، ونزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيل، ودور السلطة الفلسطينية- يبدو موضع خلاف حاد.
أصبح ترتيب الخطوات، أي من يقدم تنازلات أولًا، ساحة المعركة الجديدة. ومع ذلك، قلّة قليلة ترغب في العودة إلى الحرب. خلال زيارات متكررة على مدى أشهر في أنحاء المنطقة، كان الأمل يتناوب مع الرعب. وأكثر ما كان لافتًا هو عزيمة هادئة لدى كثيرين على الانحياز إلى الوعد بدل اليأس والدمار.
قال غيرشوم غورينبرغ، الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي: “انتهكت حرب غزة المبدأ الإسرائيلي الأساسي القائم على خوض حروب قصيرة. هناك إرهاق كامل في إسرائيل، الجيش مرهق، وتم استدعاء الاحتياط أكثر مما ينبغي. هذه العوامل كلها لا تصب في صالح تجدد القتال”.
تخيّل
قد يتيح الإرهاق مساحة للحوار، لا سيما حين يترافق مع إعادة خلط عميقة لأوراق الشرق الأوسط، على نحو يوحي بإمكاني، ولو محدودة، لتغير الذهنيات.
لقد تلقت إيران ضربة قاسية في الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو. وأسهمت تلك الحرب في إسدال الستار على صعود استمر 20 عامًا للجمهورية الإسلامية، أعقب الحرب الأمريكية في العراق، وعزز “محور المقاومة” الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت في مواجهة إسرائيل.
في الوقت الراهن، لا يبدو النظام الإيراني منشغلًا بشيء يتجاوز بقاءه. وقد يوفر هذا الجمود النسبي متنفسًا لمن يسعون إلى الابتعاد عن جولات الصراع المتكررة، حتى وإن كان البرنامج النووي الإيراني قد تضرر دون أن يُقضى عليه، وربما يصبح مجددًا هدفًا لعمل عسكري إسرائيلي أو أمريكي.
أما حزب الله في لبنان، أبرز وكلاء طهران، فقد بات ظلًا لما كان عليه. وحليف إيراني آخر، حماس في غزة، لا يزال متحديًا لكنه في موقع دفاعي، بعد أن قضت إسرائيل على قياداته. وقد يسمح ضعف الحركة لسكان غزة المنكوبين بالبحث عن مستقبل مختلف.
يشكل السنة اليوم غالبية تقود الحكومة في سوريا. وبدعم من السعودية وتركيا، لا يبدي معظمهم اهتمامًا باستمرار الصراع، بل يسعون إلى إعادة الإعمار واغتنام فرص اقتصادية جديدة.
من غزة إلى حدود لبنان مع إسرائيل وصولًا إلى شمال سوريا، يبدو موكب الخراب ككارثة كونية، تفضح عبثية العنف النهائية، وتوجه توبيخًا قاسيًا لفشل إنساني هائل.
قال بشير محمد (27 عامًا) وهو جندي حكومي في حلب المدمّرة جزئيًا: “خسرنا مستقبلنا لأن الأسد قصف جميع المدارس، ولم أتمكن حتى من الحصول على شهادة الثانوية. الآن نريد لأطفالنا أن تكون لهم حياة”.
وفي النبطية بجنوب لبنان، حيث دُمّرت أجزاء من المدينة، عاد جهاد وهاب (24 عامًا) من تركيا حيث أنهى دراسة علوم الحاسوب، ليكون مع عائلته خلال جولة القتال الأخيرة مع إسرائيل. قال: “قلبي مكسور. هذا ما أشعر به عندما أنظر إلى هذا الدمار”. وأشار إلى مبنى البلدية المقصوف: “كل هذا، لماذا؟ لماذا عليّ أن أغادر بلدي لأصنع مستقبلي؟”.
بهذا المعنى، أنجب الخراب توقًا إلى التجدد. كثيرون يأملون بعقد مقبل بلا حرب إسرائيلية- فلسطينية جديدة. أو يأملون بأن تطبع السعودية علاقاتها مع إسرائيل يومًا ما، إذا اقتنعت بوجود مسار “موثوق، لا رجعة فيه، ومحدد زمنيًا” لإقامة دولة فلسطينية، تشمل إعادة إحياء غزة.
وهناك من يرى إمكانية لاتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي قال هذا الشهر في الدوحة إن بلاده تسعى إلى علاقات جيدة مع جميع جيرانها، وتريد “أن تكون نموذجًا للمنطقة”.
كل ذلك يبدو بعيد المنال حاليًا، وإن لم يكن مستحيلًا تمامًا. قال وزير الخارجية النرويجي إسبن بارت إيده، الناشط منذ زمن في دبلوماسية الشرق الأوسط: “أعتقد أن هناك فرصة، وأقول ذلك مع التحفظ بأن الأمور لا تسير عادة على ما يرام في هذه المنطقة. هل تريد إسرائيل، مثل إسبرطة، أن تحارب إلى الأبد؟ وحدها الدولة الفلسطينية يمكن أن تمنع ذلك”.
غير أن قيام دولة فلسطينية يتطلب تغييرًا هائلًا في السياسة الإسرائيلية المبنية على احتلال متدرج ومتزايد العدوانية للضفة الغربية. وقالت آن-كلير لوجندر، كبيرة مستشاري شؤون الشرق الأوسط لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “أكبر تغيير في الذهنية مطلوب على الأرجح داخل إسرائيل. خلال عامين من العنف، صمد اتفاق السلام مع مصر، وصمد اتفاق السلام مع الأردن، وصمدت اتفاقات أبراهام مع الإمارات. هذا لافت! فلماذا لا تنظر إسرائيل في اتفاقات أخرى وتتبع نهجًا أكثر ثقة؟”.
وخلال الأسبوع الماضي فقط، وافقت إسرائيل على صفقة بقيمة 35 مليار دولار مع مصر لتزويدها بالغاز الطبيعي، ما يعزز الروابط الاقتصادية في علاقة تعرضت لضغوط هائلة خلال حرب غزة.
اللحظة الصفر
ليس من السهل إحداث التغيير، أو كسر العادات القديمة، أو المضي قدمًا. الجراح عميقة، وفي الشرق الأوسط يطالب قتلى الحروب بثمن دائم من سفك الدماء. وقد وصف الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون القدس بأنها مقبرة للأحياء، لأن الماضي فيها يطغى دومًا على الحاضر.
انطلقت الثورة السورية عام 2011 من لحظة أمل. كانت جزءًا من الانتفاضة الكبرى المعروفة بالربيع العربي، وبدأت كصراع ضد أكثر من نصف قرن من الطغيان، باسم الحرية والديمقراطية، وهي كلمة تتجنبها إدارة ترامب عادة في تصريحاتها عن الشرق الأوسط.
لكن الربيع سرعان ما تحول إلى شتاء. ففي أنحاء الشرق الأوسط، ردّت السلطوية والتطرف بهجوم مضاد.
وفي سوريا، تحول السعي لإسقاط الأسد، الذي وُصف بأنه “بول بوت القرن الحادي والعشرين”، إلى صراع دموي رهيب مزق المنطقة طويلًا.
أقام جهاديون سنة من القاعدة و”داعش” قواعد لهم هناك. وقدّم عملاء إيرانيون شيعة ومقاتلو حزب الله والقوات الروسية دعمًا وحشيًا للنظام القديم. وقاتل الأكراد المدعومون أمريكيًا “داعش” وسعوا إلى اقتطاع كيانهم الخاص. وفي خضم ذلك، تُرك الشعب السوري، إلى حد كبير، مهجورًا ومنسيًا، ففرّ بالملايين إلى المنفى أو عاش بالكاد بين الأنقاض.
يطلق الألمان على الدمار الشامل الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 اسم “شتونده نول” — أي “الساعة الصفر”. وبالمثل، تعيش سوريا اليوم لحظتها الصفر.
في عام 2011، توقفت البلاد. اختفى أكثر من 100 ألف إنسان قسرًا. وسمّى الروائي السوري الراحل خالد خليفة من بقوا أحياء خلال الحرب بـ”ما قبل الموتى”.
اليوم، تتطاير البلاستيكات والقمامة قرب خيام النازحين المهترئة وسط مشهد دمار شامل. وقد عمد بعض أزلام النظام السابق إلى نزع الأسلاك أو حديد التسليح من الركام؛ فلم يكن الأوان يفوت أبدًا لنهب ما تبقى بين الجثث.
من هذا الجحيم، برز العام الماضي قائد جديد، أحمد الشرع، وهو جهادي سابق أسس فرعًا للقاعدة في سوريا قبل 12 عامًا. ويقول اليوم إنه يريد توحيد البلاد. من السهل التشكيك في طموح كهذا من شخصية متقلبة إلى هذا الحد.
وقد وُجهت بالفعل اتهامات بارتكاب فظائع إلى جماعات مسلحة، وكذلك إلى مقاتلين مرتبطين بالحكومة، في المناطق الساحلية ضد علويين موالين للأسد، وفي محافظة السويداء الجنوبية ذات الغالبية الدرزية، التي سعت إسرائيل إلى توطيد علاقاتها معها.
ومع ذلك، تحقق تقدم لافت خلال عام واحد. فقد حظي الشرع بدعم الولايات المتحدة وروسيا والصين. وتم رفع العقوبات الاقتصادية. وحافظ على ضبط النفس إزاء الاستفزازات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، وبدأ بوضع أسس مؤسسات الدولة. كما استقبله ترامب، ودُعي إلى البيت الأبيض الشهر الماضي.
للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، لم تعد سوريا جزءًا من كتلة سوفياتية أو روسية أو إيرانية، تجعلها بطبيعتها معادية للغرب. وهذا تحول جذري في الشرق الأوسط.
تقول الصحيفة إنه خلال عشرة أيام قضاها أحد كتاب هذا المقال في سوريا في نوفمبر، فقد مرر بعشرات الحواجز التي كان نظام الأسد يستخدمها سابقًا لاعتقال الناس أو ابتزازهم. ولم يوقَف مرة واحدة.
وكانت الاحتفالات الشعبية هذا الشهر بذكرى إسقاط نظام الأسد قبل عام مقياسًا لتحرر أمة، ولدعم واسع للقائد الجديد.
قالت هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية والمرأة الوحيدة في الحكومة، في مقابلة بدمشق: “الرئيس يريد أن ينجح من أجل جميع الشهداء والمفقودين في ثورتنا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يكون جسرًا بين كل المكونات. لم نرث سويسرا، لكن الشمولية هي الطريق الوحيد. وإذا أخطأنا، نصحح”.
نظرت بعزم فولاذي وقالت: “لكل إنسان ماضٍ. أنا أختار المستقبل”.
طريق غير متوقع
لكن أي مستقبل؟ قال دونالد ترامب الابن هذا الشهر في منتدى الدوحة: “ما يميز والدي أنك لا تعرف ما الذي سيفعله”.
قد يبقي هذا الخصوم في حالة ترقب، لكنه قد يجعل دبلوماسية الإدارة غير متماسكة، ويصعب التنبؤ بمسارها.
بعض ملامح السياسة الأمريكية الجديدة واضحة: اختيار القادة دون الاكتراث بالأنظمة أو القيم؛ تسريع السلام عبر الازدهار، على أمل أن يكون المال علاجًا شاملًا؛ وعدم الحلم بديمقراطيات ليبرالية، بل منح “المنطقة فرصة لبناء هندستها الخاصة”، على حد تعبير السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان.
وقد تشمل هذه الهندسة مستقبلًا توسيع اتفاقات أبراهام التي أرست علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ودولتين خليجيتين عام 2020.
في غزة، ترى الولايات المتحدة أن ثمة حاجة إلى قائد قوي يوحد الفلسطينيين، يتمتع بكاريزما جامعة على غرار أحمد الشرع في سوريا. هذا، على الأقل، ما تنقله إدارة ترامب إلى فرنسا، التي تسميه “نموذج الشرع”.
ومع شروع الولايات المتحدة لأول مرة في التواصل المباشر مع قادة حماس عبر مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، تتجلى ملامح تغيير في المقاربة الأمريكية للإسلام السياسي. فمقاتلون سابقون متشددون، حتى من وُصفوا يومًا بالإرهابيين، لم يعودوا مستبعدين من لعب أدوار مهمة.
وقال بشارة بحبح، رجل الأعمال الفلسطيني الأمريكي الذي ساعد في الوساطة بين إدارة ترامب والقيادة الفلسطينية، إن هناك “دفعًا” أمريكيًا وأوروبيًا لإطلاق سراح مروان البرغوثي، الزعيم الفلسطيني البارز المحكوم بالسجن المؤبد في إسرائيل بتهم قتل والانتماء إلى منظمة إرهابية.
ويُنظر إلى البرغوثي في الضفة الغربية وغزة على أنه الشخصية الوحيدة القادرة على توحيد الحركة الفلسطينية من أجل إقامة دولة. ولهذا السبب، يُرجّح أن يعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإفراج عنه بشدة.
قدمت إدارة ترامب دعمًا قويًا لنتنياهو، لكنه دعم مشوب بالتحفظ. فترامب لم يكن واضحًا يومًا، كرئيس، بشأن دعمه لحل الدولتين. ومع ذلك، تنص المادة 19 من خطة السلام ذات النقاط العشرين الخاصة بغزة على السعي يومًا ما إلى “مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة دولة، وهو ما نقرّ بأنه تطلع الشعب الفلسطيني”.
هذه كلمات حذرة، لكنها تذكر دولة فلسطينية، وتعكس حقيقة أن دعم ترامب لإسرائيل يوازنه قرب خاص من السعودية وقطر ودول خليجية أخرى. وإذا أراد ترامب أن يصمد اتفاقه، فسيصعب عليه تجاهل مطالب أصدقائه العرب.
قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني هذا الشهر: “لا أمن ولا استقرار في الشرق الأوسط من دون دولة فلسطينية”.
موقف نتنياهو واضح: لن تكون هناك دولة فلسطينية. وهو ليس استثناءً في إسرائيل في هذا الرأي، خصوصًا بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وهو سياسي متمرس في البقاء، لا يمكن استبعاده، لكنه قد يفتقر إلى الدعم الكافي لتشكيل ائتلاف حكومي جديد بعد انتخابات ستُجرى خلال عام.
وقد يجد خليفة محتمل له طرقًا أكثر إبداعًا لإخراج إسرائيل من حالة الحرب الأبدية. فلا الفلسطينيون ولا اليهود سيغادرون الشريط المتنازع عليه بين البحر المتوسط ونهر الأردن.
سلام متوتر وحذر
العنف على نطاق سوريا لا ينحسر بين ليلة وضحاها. الانقسامات الطائفية عميقة. وقد خفف إنهاك السكان من حدتها دون أن يقضي عليها.
في أوائل أكتوبر، هزّ العنف شوارع عنّاز الهادئة، وهي بلدة صغيرة في غرب سوريا تقع في وادي النصارى. أطلق مسلحون مقنّعون على دراجات نارية النار على وسام جورج منصور وشفيق رفيق منصور أثناء جلوسهما في مقهى يدخنان النرجيلة. قُتل الرجلان، وهما ابنا عم مسيحيان، على الفور، وأُصيب ثالث بجروح خطيرة. ورغم الوعود الرسمية بتحقيق شامل، لم يُقبض على أحد.
يمثل المسيحيون السوريون جزءًا من فسيفساء عرقية ودينية يصعب التوفيق بينها داخل حدود رسمها الاستعمار البريطاني والفرنسي بخطوط مستقيمة قبل أكثر من قرن، عقب تفكك الدولة العثمانية.
قال جوزيف سكريه، وهو مسيحي، وكان واقفًا تحت رفوف زجاجات الويسكي والعرق في متجره الصغير وسط البلدة المليئة بملصقات القتلى: “لا يزال هناك توتر. كنت أغلق المتجر عند الحادية عشرة ليلًا، أما الآن فأعود إلى البيت عند الثامنة حرصًا على السلامة، وهذا يرضي زوجتي”.
في بدايات الانتفاضة السورية، قرابة عام 2012، عيّن نظام الأسد رؤساء مجتمعات محلية لتوزيع السلاح ضد الثوار. وغالبًا ما وقف المسيحيون، وهم أقلية، إلى جانب الطائفة العلوية، وهي أقلية أخرى. ويبدو أن ابني العم استُهدفا لأن أحدهما كان شديد الحماسة في تسليح من قتلوا متظاهرين سنة، بحسب سكريه وآخرين من المنطقة.
سألته إن كان هذا الانتقام قد يتكرر. قال: “الله وحده يعلم. نحن جميعًا نأمل بالشفاء بين المكونات. نريد أن نعيش بكرامة”.
وقد أزيل مؤخرًا حاجز بين عنّاز وقرية مسلمة مجاورة. أما الكحول التي يبيعها، فقال إنه لم يواجه اعتراضًا من المسلمين. وأضاف: “كل شيء بات أكثر انفتاحًا الآن”.
طريق متعرج يصعد من عنّاز إلى قلعة الحصن، إحدى أفضل القلاع الصليبية حفظًا في العالم، والتي تعود أصولها إلى القرن الحادي عشر. وقد تبادلت السيطرة عليها أطراف عدة خلال الحرب الأهلية.
هنا عاش الصليبيون الأوروبيون قرابة قرنين قبل أن تسقط القلعة في القرن الثالث عشر بيد قوات العالم الإسلامي. واليوم، توحي الجدران المتعفنة والجداريات الباهتة ومعاصر الزيتون وأحواض صناعة النبيذ بهمهمة القرون.
كانت القاعة المقببة كنيسة مسيحية قبل أن تتحول إلى مسجد. تتجه حنيتها شرقًا نحو شروق الشمس، ثم بُني محرابها ومنبرها لاحقًا باتجاه الجنوب نحو مكة. على هذه الأرض القديمة، تقاتلت الحضارات، وتمازجت، ووجدت تسويات.
جلس أربعة عائدين من المنفى الحربي في سوريا يتأملون القلعة. فقدوا معًا ثلاثة إخوة. قالوا إنهم لم يجرؤوا على العودة إلا بعد أن “غادر الحمار الكبير”، في إشارة إلى الأسد.
سألتهم عن حادثة العنف الأخيرة في عنّاز. قال ماهر دعبول: “الأمور هادئة الآن، الحمد لله. مبدؤنا في المرحلة المقبلة هو لا للثأر”.
كان المبدأ ذاته حاضرًا في حلب، كبرى مدن الشمال، حيث اندلعت اشتباكات مطلع أكتوبر بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد. قُتل جندي حكومي ومدني، وتكررت مناوشات متفرقة منذ ذلك الحين.
لا يزال الغضب قائمًا. استعرض نوري شيخو، وهو زعيم مجتمعي كردي، قائمة طويلة من الشكاوى ضد الشرع، واصفًا إياه بأنه “دمية بيد قوى إقليمية” وبأنه يسيء إلى الأكراد بوصفهم “ملحدين”.
ومع ذلك، ختم بالقول: “نحن متعبون من الحرب. نريد أن نعيش كما يعيش الآخرون”.
وهكذا، يتلاشى ببطء شديد عبق الحرب.
هل يطيع القدر؟
بعد أربع سنوات من حرب أكتوبر 1973، وقع ما كان لا يُتصوّر: ألقى الرئيس المصري أنور السادات خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي في القدس. وزعيم إسرائيلي يميني، مناحيم بيغن، كان قد تعهد بالاعتزال في مستوطنة بسيناء، تخلى عن شبه الجزيرة مقابل السلام مع مصر. ووقّع الاتفاق عام 1979.
يتذكر غورينبرغ سماعه الخبر في مقهى بالقدس. وقال: “لو أن أورسون ويلز أعاد بثه الشهير عام 1938 معلنًا هبوط المريخيين، لكان ذلك أكثر تصديقًا”.
في ظل بئر الكراهية العميق الذي لا يزال قائمًا في المنطقة، قد يستنتج أي تحليل عقلاني أن “فجر السلام التاريخي” الذي يتحدث عنه ترامب سيولد ميتًا، مثل كثير من محاولات حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني وغيره. فلا أحد اليوم يستطيع تخيل مروان البرغوثي يخاطب الكنيست، كما لم يكن أحد يتخيل السادات.
ومع ذلك، بين أنقاض سوريا، تتردد كلمات الشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي:
“إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر”.
وكتب شاعر آخر، فيكتور هوغو:
“ليس ثمة ما هو أقرب من المستحيل
المصدر : القدس العربي
Press Lebanon