عندما كنت يافعاً، خلال الثمانينات من القرن الماضي، كنت استيقظ على صوت والدي وهو يحدق بالعملة الوطنية التي كانت تتطاير كل ساعة بحيث كان والدي طوال اليوم لا هم له سوى موضوع ليرته الوطنية وقيمتها التي تتراجع دون اي أفق، وكانت اهتماماته متابعة اخبار تطور الليرة من خلال الاذاعات التي كانت تطلق «فلاشاتها» الحربية فينقطع قلب قلبي وقلوب العائلة معه، ليس لانه كان يلعب في البورصة التي كانت آخر اهتماماته بل ليرى كم اصبحت تساوي ليرته في تأمين لقمة عيش العائلة…
كان يضرب كفاً بكف، كأنه فقد عزيزاً عليه، وكنا نخاف عليه دون ان ندري ان جنى العمر ذهب ادراج الرياح، مثله مثل اي عائلة كانت تؤمن بعملتها الوطنية التي تراجعت كثيراً… كثيراً.
ولكن اعتباراً من آب 1993، ورغم ان والدي انتقل الى الحياة الاخرى، فقد بدأنا نشعر اهمية تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية من خلال تعيين رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان الذي كان هاجسه وما يزال رغم مرور 25 سنة على تسلّمه حاكمية مصرف لبنان، بحيث اصبح هذا الهاجس وراءنا ودون اهتماماتنا وبتنا ننام على وسادتنا كل ليلة نحلم بغد افضل بعد ان كانت احلامنا قبلها ان نستيقظ في اليوم التالي وسعر الليرة لم ينخفض الى مزيد من التراجع.
فشكراً يا حاكم مصرف لبنان على الثقة التي وضعتها بأنفسنا وبالليرة اللبنانية التي رغم الاحداث المتتالية خلال الـ25 سنة الماضية بقيت صامدة وثابتة رغم الاعاصير والتداعيات والازمات.
واذا كان بعض السياسيين لا يحظى باجماع وتأييد شعبي، فان حاكم مصرف لبنان بات محور اجماع ليس من قبل الشعب، بل حتى من السياسيين نظراً لما قام به خلال الـ25 سنة الماضية.
الاحتياطي من العملات الاجنبية كان في اب 1993 حوالى 300 مليون دولار واصبح اليوم 45 مليار دولار اميركي، وهذا المبلغ يعتبر كاف لمواجهة اي تلاعب بالعملة الوطنية بحيث بات اللاعب الاقوى في سوق القطع.
ـ ودائع المصارف اللبنانية كانت 9 مليار دولار في العام 1993 اصبحت اليوم حوالى 140 مليار دولار.
ـ الثقة التي بات القطاع المصرفي اللبناني يتمتع بها محلياً وعربياً ودولياً من خلال ادائها وسلامة ميزانياتها والتزامها القوانين الدولية خصوصاً في موضوع مكافحة تبييض الاموال والارهاب.
ـ وضع حد لحلقة من المصارف المتعثرة دون ان يكبد المودعين اي نتائج سلبية، بحيث بات القطاع المصرفي يعيش في هدوء وسكينة دون ان تتأثر به اية عواصف قد تأتيه من هنا وهناك.
ـ وضع اطار تنظيمي صارم للقطاع حاز على اشادة من المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف العالمية، وبالتالي ليس غريباً ان يحظى بجوائز عدة مكنته من ان يكون اول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك ويشارك في افتتاح بورصة لندن، وافضل حاكم مصرف مركزي في العالم والعالم العربي وغيرها من الجوائز التي نفتخر من خلالها بشخصية مميزة واستثنائية.
تمكن من الحفاظ على استقرار النقد الوطني وسلامة القطاع المصرفي، لا بل كان هذا القطاع الملاذ الآمن خلال الازمة المالية العالمية عام 2008 عندما تعرضت الاسواق العالمية والبورصات العالمية لازمة «السبرايم» الاميركية، اي المنتجات المركبة التي ادت الى ازمات مالية ومصرفية في عدد كبير من دول العالم واهمها الولايات المتحدة الاميركية في المقابل كانت المصارف اللبنانية تشهد تحاويل من الخارج الى الداخل نظراً لان حاكم مصرف لبنان منع المصارف اللبنانية من استعمال المنتجات المركبة وهذا ما ادى الى ثقة متكررة بالقطاع المصرفي اللبناني.
ـ ابتدع جملة من البرامج والمبادرات والسلات التحفيزية مكنت القطاعات الاقتصادية من الوقوف على رجليها في وقت كان الاقتصاد يعاني بسبب الازمات السياسية والامنية في البلاد.
هذا غيض من فيض…
ورغم كل ذلك، بقي التصويب على رياض سلامة وعلى سياسته التي يعتمدها للمحافظة على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، ورغم كل ذلك، بقيت الشائعات تلاحقه وتعطي مهلاً لانهيار النقد الوطني، وهو… عندما تزوره لا بد ان تشعر بالامان، يحمل سيجاره الكوبي وينظر الى دخانه المتطاير ويحدثك بروية وهدوء وحرفية فتخرج من مكتبه مطمئن، مؤمن باستقرار سعر صرف الليرة، ومتأكد انه هو بي النقد الوطني وشقيقه وشقيقته وعائلته وعائلة كل بيت في لبنان الذي كما انا، ينام مطمئنا على ليرته ويحلم باقتصاد لعل وعسى يعود الى ما كان عليه سابقاً.
واذا كنا نحتفل بمرور 25 سنة على حاكمية رياض سلامة لمصرف لبنان، فاللبنانيون يأملون لسنين عديدة يا حاكم…
جوزف فرح
Press Lebanon