الرفاعي: منطق الإقصاء والتخوين لا ينتج إلا مزيدًا من التوتر والانقسام

 برس ليبانون ـ رأى مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي أن “معركة الوعي في بعدها الإيماني هي معركة صدقٍ مع الله قبل أن تكون صراعًا مع الخصوم، وهي تبدأ بردّ الأسماء إلى حقيقتها كما أنزلها الله، واستمداد المعايير من الوحي لا من أهواء البشر، فالتسمية ليست مجرد لفظ بل شهادة”.

ولفت في خطبة الجمعة إلى أن “إشارة بيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الأخير إلى المادة (52) من الدستور، التي تخوّل رئيس الجمهورية حق التفاوض في المعاهدات، لا تُفهم بمعزل عن قيدها الجوهري: حفظ حقوق الشعب وصون الأرض والسيادة، فالتفاوض ليس غايةً في ذاته بل وسيلة تُقاس مشروعيتها بمدى صيانتها للحقوق لا التفريط بها. وكل هدنةٍ لا تنطلق من هذا الأصل ولا تُفضي إلى استعادة الحق أو تثبيته، تتحوّل من أداةٍ سياسية إلى مدخلٍ خطير لإضفاء الشرعية على واقعٍ مرفوض تضيع فيه الأرض وتُستباح فيه الحقوق”.

وأكد أن “صون مؤسسات الدولة ليس موقفًا ظرفيًا بل خيار وطني يحفظ استقرار البلاد في مرحلةٍ دقيقة تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالدولة، رغم ما يعتريها من تحديات، تبقى الإطار الجامع الذي لا بديل عنه، والحفاظ على توازنها يتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية في الخطاب والممارسة بعيدًا عن الانفعال أو التوظيف السياسي للأزمات”.

وتابع: “في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد، تبرز الحاجة إلى خطابٍ واعٍ يُوازن بين الحقوق والواجبات، ويصون كرامة جميع اللبنانيين دون استثناء، فالحوار والتفاهم ليسا خيارًا ثانويًا بل مدخلٌ طبيعي لأي معالجة جادة، إذ إن منطق الإقصاء والتخوين لا ينتج إلا مزيدًا من التوتر والانقسام، بينما توسيع مساحات التلاقي يعزز الثقة ويحصّن الاستقرار”.

وأضاف: “إن الابتعاد عن التخوين وتغليب لغة العقل يشكّلان ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع والدولة، فحين يُقدَّم الحق على ما سواه تتراجع الحسابات الضيقة، وتصبح المسؤولية المشتركة هي الإطار الحاكم بما يضمن صون السلم الأهلي وتحصين البلد في وجه التحديات”.

وأردف: “من هنا تبرز أهمية دار الفتوى في لبنان بوصفها مرجعيةً جامعة تحفظ توازن الخطاب الديني وتؤمّن حضور الاعتدال في زمن الاستقطاب، فالمؤسسات الراسخة لا تُصان بإسكات النقد بل بتوجيهه نحو البناء لا الهدم، وصون هذا الموقع ليس دفاعًا عن أشخاص بل حمايةٌ لدورٍ جامع يمنع تفتّت المرجعية وانزلاق الساحة إلى الفوضى”.

واعتبر أن “الواجب الأخلاقي والقانوني يقتضي الإسراع في تشكيل لجنة تقصّي حقائق دولية مستقلة، لا لتوثيق الجرائم فحسب بل لفتح مسار المساءلة والمحاسبة العلنية، لأن غياب العقاب يفتح الباب لتكرار الانتهاكات ويضعف مفهوم العدالة”.

 وشدّد على “ضرورة ممارسة ضغطٍ حقيقي لإلزام الاحتلال باحترام القوانين والاتفاقات الدولية، ووقف استهداف المدنيين والمسعفين والأطفال، وكشف مصير الأسرى واجبٌ إنساني لا يحتمل التأجيل ولا التسويف”.

وقال: “العدل وإن تأخر في الدنيا فإن وعد الله لا يتخلّف، ﴿وما ربك بظلامٍ للعبيد﴾ و﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾، فنسأل الله أن يُظهر الحق ويُري المظلومين يومًا يُقتصّ فيه من الظالمين”.

وأشار إلى أن”تصريحات رئيس دولة عظمى وطلبه من الأزرق تقليل الإجرام لحفظ صورته فقط، يعكس خللًا خطيرًا في منظومة القيم التي يُفترض أن تضبط استخدام القوة، إذ يتحول الإنسان حينها إلى رقم في المعادلة لا إلى كرامةٍ مصونة ودمٍ محترم، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة منطق القوة في العالم اليوم، حين تُقدَّم الحسابات الإعلامية والسياسية على حساب أرواح الأبرياء ومعاناة الشعوب”.

وأوضح بأن “بعض المعادلات في المنطقة تغيَّت، لكن آثارها السلبية لم تنتهِ في لبنان بعد، إذ ما تزال الحقوق معلّقة، ومطلب العدالة الانتقالية يبرز كضرورةٍ ملحّة لإحقاق الحق وإنصاف الموقوفين الإسلاميين وصون كرامتهم الإنسانية، والعفو يجب أن يشمل الجميع دون القتل العمد”.

وختم الرفاعي: “أيها العازم إلى حج بيت الله الحرام؛ اعلم أنّك مقبلٌ على رحلةٍ عظيمة، فطهّر نيتك وأخلص قصدك لله، واحفظ لسانك وغضّ بصرك، وكن ليّن الجانب صابرًا محتسبًا، فالحج مدرسة تهذيبٍ وتزكية. ووصيتنا للمقيمين الذين لم يكتب لهم الحج: إن فضل الله واسع، فكونوا مع الحجاج بقلوبكم، وأكثروا من الذكر والصدقة والصيام، واجعلوا بيوتكم مواطن طاعة، فمن صدق الله في نيته بلّغه أجر العاملين”.

عن presslebanon1

شاهد أيضاً

الموسوي: السلطة في لبنان تعتمد سياسة الغموض الهدّام

 برس ليبانون ـ أكد عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب إبراهيم الموسوي، أن “السلطة في لبنان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *