اللحظة مؤاتية لانتفاضة صحيّة

كتب البروفسور يوسف بخّاش في جريدة النهار
بروفسور في المركز الطبي للجامعة الامريكية في بيروت
جريدة النهار – ٢٣ كانون الأول ٢٠١٩
ما يعيشه لبنان اليوم يتخطّى كونه حركة شعبية عابرة. ان ما يجري في الشارع هو أشبه بيقظة، أقرب الى حالة تغييرية ناتجة عن عدم قدرة الناس على تحمّل سياسات الهدر والفساد والافقار. سياسات بات القاصي والداني يعرف انها تسببت بوصول الأمور الى ما هي عليه اليوم، سياسات قرر جيل جديد شاب موجود في الشارع وضع حدّ لها. انها آفاق الجمهورية الثانية تضمحل لتبدأ تدريجياً ملامح الجمهورية الثالثة بالارتسام.
صحيح ان الانتقال الى جمهورية ثالثة في لبنان لن يكون الّا بمخاض عسير نظراً لصعوبة الوضعين الاقتصادي والمالي للدولة وللمجتمع معاً، لكن وسط هذا الواقع المرير، لم ينقطع الأمل، ولعلّه يأتينا من شعور واقعي بالوصول الى قعر لا يمكن الّا ان تليه وثبة ثقة تكون بداية للحظة تأسيسية يمكن البناء عليها للنهوض بمؤسساتنا ومجتمعنا معاً.
ان الجمهورية الجديدة التي نريدها للبنان والتي نطمح الى ان ترى النور على أيدي أجيال شابة تثبت في كلّ يوم تصميمها على العيش الكريم وعلى تحقيق منظومة اجتماعية عادلة تتحقق من خلالها الطموحات المرجوة بمستقبل مشرّف لا يمكن الّا وأن تكون في صلبها اعادة تكوين نظام الرعاية الصحيّة والاجتماعية على أسس حديثة وبالاستفادة من تجارب عالمية أثبتت نجاحها.
من هذا المنطلق، لا تبدو الحاجة الى انتفاضة صحيّة حقيقية في لبنان عرضيّة، بل يجب أن تكون على رأس أولويات أي عجلة تغييرية. ومن المفرح أن نرى في الشارع شابات وشبّان يولون أهمية كبيرة للملف البيئي ولموضوع النفايات وللصحة العامة. وما أجمل مشاهد المنتفضين المراهقين يضعون الكمامات وينظفون الساحات غداة الاعتصامات معطين بذلك أمثولات لأجيال سبقتهم لم تكترث يوماً بغالبيتها العظمى لمواضيع مماثلة.
ان الانتفاضة الصحيّة التي ننادي بها يجب أن تتكوّن بشكل أفقي تشترك فيه الكوادر الصحّية والطبّية والاستشفائية مع المجتمع المدني وتحديداً أجيال الشباب وبشكل فاعل ووفق خطّة واضحة المعالم تكون أداة ضاغطة للانتهاء من المنظومة الصحية والبيئية الحالية التي فقدت صلاحيتها منذ عقود وباتت لا تشبه الحاضر فكيف لها أن تستمر في المستقبل؟
الانسان كقيمة
ان القيم الأولى التي يجب أن تُبنى عليها أي انتفاضة صحية في لبنان هي الانسان والرعاية والمساواة. فهذه القيم ان أعرناها الأهميّة اللازمة لتصبح جزءاً من الحمض النووي لأي نظام صحي جديد، كفيلة بوضعنا على السكّة الصحيحة للبدء بورشة طال انتظارها تُخرج المواطن اللبناني وتحديداً الفقراء من خطر الاذلال الذي بات هاجساً تفوق أهميّته خطر الأمراض التي قد تصيبهم.
لا يتحقق ذلك دون قناعة لدى الشعب اللبناني ومعه كوادرنا المدنية والطبية والاستشفائية وحتى المالية بأن الوقت قد حان ليصبح التضامن الاجتماعي بين مختلف طبقاتنا عنوان المرحلة. وفي ظل ما وصلت اليه البلاد من حالة فقر باتت معدّلاته تقترب من الـ50 بالمئة، يصعب جدّاً تصور معارضة هذا التوجّه من قبل اي لبناني لأي فئة اجتماعية انتمى.
لكن التجربة اللبنانية في هذا المجال والفساد الذي حملته وحمته لم تعد اليوم تترك أي مجال للضبابية اذ باتت الشفافية شرطاً أساسياً لأي عملية اصلاحية بنيوية تؤسس لنظام صحي جديد وحديث يضمن انتقال مجتمعنا الى حماية صحيّة واجتماعية وبيئية أكبر.
ان الانتفاضة الصحيّة المرجوّة في لبنان قد تكون الورشة الأهم والأصعب، اذ تطال جوهر الأزمة الاجتماعية التي نعاني منها وتحدد وجهة مستقبل نظامنا الصحي والاجتماعي في آن واحد. كما تتطرّق الى حدود الدور الذي ستلعبه الدولة في هذا المجال والمساهمات التي ستقوم بها مختلف الفئات الاجتماعية حسب مدخول كل واحدة منها. كما سيطرح ذلك كله عناوين مهمة وخلافية من اللامركزية والشراكة مع القطاع الخاص ومساهمته في هذا المجال.
انها المهمّة الأصعب، مهمّة كفيلة في خلق تجاذبات سياسية كبيرة في أي بلد كان، لكن الانتفاضة العامة التي نعيشها اليوم والتي أشبه ما تكون بانتفاضة على الذات، هي بمثابة فرصة قد لا تتكرر.
يستحق لبنان الافادة من لحظة الالتحام والتضامن الاجتماعي والاصلاحي التي نعيشها من أجل وضع أسس لورشة اجتماعية هي الأهم في تاريخه، لأن شعبنا في أمس الحاجة الى اطلاق انتفاضة صحيّة تعيد للّبناني كرامته وتُخرجه بعد طول انتظار من دوّامة قلق اجتماعي كانت دوماً أحد أوّل أسباب هجرة شبابنا وأدمغتنا.

عن presslebanon1

شاهد أيضاً

فانس لجعجع:واشنطن تعمل مع الدولةاللبنانية لتمكينها من حماية سيادتها

 برس ليبانون ـ تلقى رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع رداً من نائب رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *