كتب الدكتور يوسف بخاش في النهار
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي لنقابة الأطباء في بيروت، تعود الشعارات الرنانة الى يومياتنا المهنية ممهورة بأجندات سياسية تعكس الواقع السياسي اللبناني العام، ويطربنا اعلامنا النشيط بمصطلحات مستعارة من قواميس المواجهات على وزن حرب داحس والغبراء ومعارك كسر العظم وغيرها، ما ينعكس تأجيجاً للخصومات داخل مجتمعنا الطبي نحتاج من بعدها الى أشهر لترميم علاقات واعادة الامور الى نصابها.
هل يختلف استحقاق هذا العام والمقرر في الربيع المقبل عن أسلافه؟ انه سؤال جوهري من مسؤوليتنا الاجابة عنه باكراً لأن في ذلك محاولة للمساهمة في تحديد المسار وتصويبه، وتعبير عن تمنّي أقرب الى الارادة، سببه حاجتنا في ان نجعل من الانتخابات المقبلة فرصة لاثبات حقيقة فكرنا التطويري، وهو جزء لا يتجزأ من تكوين شخصية الطبيب، واظهار ذلك في خيارات انتخابية تعكس ارادتنا في ان يبقى الجسم الطبي في لبنان مثالاً يحتذى به في تحديد المهنية والضمير الحي والالتزام.
امّا التطوير، فمبني على حفظ الانجازات السابقة لمختلف المجالس التي تعاقبت، والتخلّص من ممارسات أثبتت عدم جدواها، والذهاب بعيداً في وضع خطّة تحسين شاملة تتمحور حول العناوين التالية: تفعيل الحصانة الطبية، واعتماد الشفافية المطلقة في العمل الاداري والمالي للنقابة، ودعم التعليم المستمر للأطباء وتعزيز التواصل الاكاديمي والمهني في ما بينهم، وأخيراً ونظراً لكونها منجماً للخبرات الطبية والعلمية، العمل على تثبيت النقابة كمرجعية استشارية في مجال صياغة سياسات الصحة العامة في لبنان.
من واجب الطبيب ان يخدم مجتمعه ووطنه، لكنّ أفضل خدمة تمر بشكل الزامي عبر تأمين المقوّمات الضرورية لممارسة مثالية تضمن احترام الحقوق الأساسية وفقاً لقواعد المهنة وللقوانين اللبنانية التي يجب ان تطبّق دون استنساب، وان تتطوّر بالوتيرة المرجوّة، وللنقابة دور في ذلك تلعبه مع المشرّع اللبناني.
صحيح ان كل ما تقدمنا به من شأنه ان يعزز دور ومكانة الطبيب في لبنان، لكن تحقيقه مسؤولية جماعية تقع على عاتق جسمنا الطبّي ومؤسسته الأم، اي النقابة، لأنها الموقع الصحيح والفاعل في صياغة وانتاج وتطبيق نهج تطويري يتماشى مع عصرنا ومقتضياته ويجعل جسمنا الطبي، عبر نقابتنا، شريكاً في رسم السياسات الصحية والوقائية على مساحة الوطن.
ان تفعيل الفكر المؤسساتي في عملنا بات ضرورة، ويجب ان يتحقق على أسس رفض المساومة على مبادئ الشفافية والتراتبية وتوزيع الأدوار والمراقبة والإنتاج والمحاسبة، لأن في ذلك ما يعيد لنقابة الاطباء دورها الطبيعي والبنّاء كمؤسسة جامعة بين الأطباء مهما كانت ميولهم السياسية، والمدافعة عن حقوقهم ومصالحهم المعنوية والمادية المشروعة، والساهرة على رفع مستوى المهنة وعلى ادآب الطبابة وكرامتها.
للاطباء القدرة على تحقيق الانجازات، وهناك امكانية فعلية اليوم في ان يكون المنطق التطويري العنوان الرئيس لعملنا النقابي. اما التمثيل السياسي فمن واجبنا ان نجعله بحجم تنوعنا الطبيعي، يعكس واقع غنى حياتنا السياسية مع التزام لا لبس فيه حيال عدم جعل هذا التنوّع، وفي اي لحظة، سبباً لشلل عمل النقابة.
* بروفسور في المركز الطبي للجامعة الامركية في بيروت، اخصائي الجراجة التجميلية والترميمية، جراحة اليد والجراحة المجهرية
Press Lebanon